ابن الجوزي
175
كتاب ذم الهوى
على بعض يقول : رأيت عجبا ، فأخبر بعضهم بعضا بما رأى . فقال كبيرهم : هذا حلم ، ليس هذا بشيء ، فامضوا بنا ودعوا هذا . قال أصغرهم : لا أمضي حتى آتي ذلك المكان ، فأنظر إليه . فانطلقوا وبحثوا الموضع ، فوجدوا أختهم وابنها مذبوحين ، فسألوا عنها العابد فصدّق قول إبليس فيما صنع بها . فاستعدوا عليه ملكهم . فأنزل من صومعته وقدّموه ليصلب ، فلما أوقفوه على الخشبة أتاه الشيطان فقال : قد علمت أني صاحبك الذي قد فتنتك في المرأة حتى أحبلتها وذبحتها وابنها ، فإن أنت أطعتني اليوم وكفرت باللّه الذي خلقك ، خلّصتك ، مما أنت فيه . فكفر العابد باللّه ، فلما كفر خلّى الشيطان بينه وبين أصحابه ، فصلبوه . قال : فعند ذلك نزلت هذه الآية : كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ( 16 ) فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ( 17 ) [ الحشر ] . وقد ذكرت قصة هذا الرجل على خلاف هذه الحال في التفسير ، إلا أنّ المقصود وجود فتنة بالقتل والزنا والكفر ، وذلك مذكور في جميع الروايات « 1 » . فتلمّح ، وفّقك اللّه ، سبب وقوعه في هذا الشر ، وهو أنه فسح لنفسه فيما قد نهي عنه ، من الكلام للأجنبية والخلوة بها ، وكان كمأمور بالحمية أقبل على التّخليط ثقة بعافيته ، فأدّاه ذلك إلى تلف نفسه . ولو أنه استعمل قول طبيبه لسلم من شرّ ما وقع فيه . نعوذ باللّه من الخذلان .
--> ( 1 ) ذكر في « الإحياء » إحدى هذه الروايات وقال العراقي : أخرجه ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان ، وابن مردويه في « تفسيره » ، وللحاكم نحوه موقوفا على علي بن أبي طالب ، وقال : صحيح الإسناد .